دراسة اسم من أسماء الله الحسنى
المَجِيد
المجدُ هو سَعَةُ الأوصافِ وعَظَمَتُها — فليس عظمةً مجردة، ولا كرماً مجرداً، بل الشرفُ الكامل الذي اجتمع فيه الوصفان.
الجذر: م ج د · الصيغة: فَعِيل · ورد في القرآن ٤ مرات في ٣ سور
- في التشهد
- ٤
- مواضع الجذر كله
- ٣
- سور: هود · ق · البروج
- ١
- اقتران وحيد باسم آخر
- ٠
- أفعال من الجذر
الخريطة المركزية
الجذر «مجد» لا يرد في القرآن إلا وصفاً بصيغة «فَعِيل»، موزَّعاً على ثلاثة أنماط فقط. اضغط أي فرع للانتقال إلى بطاقته.
القاعدة الذهبية
قبل التفصيل، هذه هي القاعدة التي تحكم المواضع الأربعة جميعاً.
المجد ≠ العظمة وحدها
- العظيم يدل على الكِبَر والجلال.
- الكريم يدل على الجود والعطاء.
- المجيد يجمعهما: عظمةٌ في الصفة + كرمٌ في الأثر. لذلك فسّره أهل اللغة بـ«ذو شَرَفٍ وكَرَمٍ» و«كثير الخير والإحسان».
لماذا لا يوصف بالمجد إلا العظيمُ النافع؟
- المجد عند العرب شرف النوع: أن يبلغ الشيء منتهى ما في جنسه من قوة ونفع.
- ولهذا صحّ وصفُ الله به، وصحّ وصف كلامه به، وصحّ وصف عرشه به — كلُّها بلغت منتهى جنسها.
- ولم يوصف به في القرآن شيءٌ رابع.
مواضع الاسم في القرآن
أربعة مواضع، لا خامس لها — فكلُّها هنا مفتوحة، بآيةٍ قبلها وآيةٍ بعدها. واضغط زرّ الصفحة لتقرأ الموضع في صفحة المصحف نفسها، وتقلّب ما قبلها وما بعدها.
بطاقات الأنماط
لكل نمط: منطقه، مواضعه، وجه ختم الآية به، وربطه بمحور السورة.
حَمِيدٌ مَجِيدٌ
«حميد» يعالج شبهة: هل يستحق الشكر؟ — نعم، صفاتُه كمال وأفعاله إحسان. و«مجيد» يعالج شبهة أخرى: هل يقدر على العطاء الواسع؟ — نعم، فالمجد سعة الأوصاف. فالحمد يمنع أن يُظنّ العطاء تفضلاً بلا استحقاق شكر، والمجد يمنع أن يُظنّ العطاء محدوداً بقدر السائل. الاسمان معاً يقولان: مُعطٍ محمود، وواسعٌ لا ينفد.
«{إنَّه حميدٌ مجيدٌ}؛ أي: حميد الصفات؛ لأنَّ صفاته صفات كمال، حميدُ الأفعال؛ لأنَّ أفعاله إحسانٌ وجودٌ وبرٌّ وحكمةٌ وعدلٌ وقِسْطٌ. {مجيدٌ}: والمجد هو عظمة الصفات وسَعَتُها؛ فله صفات الكمال، وله من كلِّ صفةِ كمالٍ أكملُها وأتمُّها وأعمُّها.» تيسير الكريم الرحمن — عبد الرحمن بن ناصر السعدي (ت ١٣٧٦هـ)
موضع واحد فقط في القرآن كله. وهو الاقتران الوحيد الذي دخل فيه «المجيد» مع اسم آخر — بينما تقترن أسماء أخرى بعشرات الأسماء. وترتيبه ثابت: الحميد أولاً، المجيد ثانياً.
السياق بركة: ﴿رحمتُ الله وبركاتُه عليكم أهل البيت﴾. والبركة زيادةٌ ونماء. فأيُّ اسمين يُختم بهما إعلانُ بركة دائمة؟ اسمٌ يقول إن المعطي محمود في عطائه (حميد)، واسمٌ يقول إن معينه لا يغيض (مجيد). ولو خُتمت بـ«عزيز حكيم» لصارت الآية تعليلَ قدرةٍ لا تعليلَ بركة.
محور «هود» الاستقامة والنجاة وسط قصص الإهلاك — والسورة كلها إنذار. وفي قلب هذا الإنذار يأتي بيتُ إبراهيم فيُبشَّر بالنسل والبركة. فالمجيد هنا يجيب سؤال السورة: من أين تأتي النجاة والبركة حين يُهلَك الجميع؟ من سعة أوصافه.
الاقتران الوحيد لـ«المجيد» في القرآن جاء لـأهل بيت إبراهيم — وهو نفسه اللفظ الذي نختم به الصلاة الإبراهيمية في كل صلاة: «إنك حميدٌ مجيد». فأنت في تشهدك تدعو بالبركة على آل إبراهيم وآل محمد ﷺ باللفظ القرآني نفسه الذي نزلت به البركة أول مرة.
ذُو العَرْشِ المَجِيدُ
ثلاث لبنات مرتبة: الغفور الودود (صفات تتعلق بالعباد) ← ذو العرش المجيد (صفة ذاتية) ← فعال لما يريد (صفة فعل جامعة). أي: يغفر ويحب، ثم يُنبَّه العبد إلى أنه لا يُعبد لأجل النفع فقط بل لجلاله ابتداءً.
«ولَمّا ذَكَرَ اللَّهُ مِن صِفاتِهِ ما تَعَلُّقُهُ بِمَخْلُوقاتِهِ بِحَسَبِ ما يَسْتَأْهِلُونَهُ مِن جَزاءٍ أعْقَبَ ذَلِكَ بِصِفاتِهِ الذّاتِيَّةِ عَلى وجْهِ الِاسْتِطْرادِ والتَّكْمِلَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿ذُو العَرْشِ المَجِيدُ﴾ تَنْبِيهًا لِلْعِبادِ إلى وُجُوبِ عِبادَتِهِ لِاسْتِحْقاقِهِ العِبادَةَ لِجَلالِهِ كَما يَعْبُدُونَهُ لِاتِّقاءِ عِقابِهِ ورَجاءِ نَوالِهِ.» التحرير والتنوير — محمد الطاهر بن عاشور (ت ١٣٩٣هـ)
قرأ الجمهور ﴿الْمَجِيدُ﴾ بالرفع نعتاً لله (وهذا أصل عدّه في الأسماء الحسنى)، وقرأ حمزةُ والكسائيُّ وخلفٌ بالجرّ نعتاً للعرش. والقراءتان لا تتعارضان: وصفُ العرش بالمجد كناية عن مجد صاحبه.
«وهذا على قراءة الجرِّ يكون {المجيد} نعتاً للعرش، وأما على قراءة الرفع؛ فإنَّه يكون نعتاً لله، والمجدُ سعة الأوصاف وعظمتها.» تيسير الكريم الرحمن — السعدي
«وقَرَأهُ الجُمْهُورُ بِالرَّفْعِ عَلى أنَّهُ خَبَرٌ رابِعٌ عَنْ ضَمِيرِ الجَلالَةِ. وقَرَأهُ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وخَلَفٌ بِالجَرِّ نَعَتا لِلْعَرْشِ فَوَصْفُ العَرْشِ بِالمَجْدِ كِنايَةٌ عَنْ مَجْدِ صاحِبِ العَرْشِ.» التحرير والتنوير — ابن عاشور
سياق السورة تعذيبُ المؤمنين في الأخدود. المظلوم المحروق يحتاج جوابين: من ينصفني؟ ومن يملك أصلاً؟ فجاء ﴿ذو العرش﴾ ليقول: المُلك كله له، وجاء ﴿المجيد﴾ ليقول: وهو أهلٌ لذلك المُلك — فليس ملكاً بلا كمال كملوك الأرض الذين ظلموا.
«البروج» سورة الثبات تحت التعذيب. وهي السورة الوحيدة التي ورد فيها الجذر مرتين: مرةً لصاحب العرش (١٥) ومرةً للقرآن (٢١). وكلا الموضعين متبوعٌ بمعنى الحفظ: العرش فوق كل شيء، والقرآن ﴿في لوح محفوظ﴾. مجدٌ محفوظ فوق، وكلامٌ محفوظ نزل — والمؤمن بينهما محفوظ الأجر.
القُرْآنُ المَجِيد
لماذا يُوصف الكلام بالمجد؟ لأن المجد شرفُ النوع: أن يبلغ الشيء منتهى ما في جنسه. فمجدُ القرآن أنه بلغ في جنس الكلام أعلاه: أفصح لفظاً، وأعمّ معنى، وأنفع أثراً.
«يقسم تعالى بـ {القرآنِ المجيد}؛ أي: وسيع المعاني، عظيمها، كثير الوجوه، كثير البركات، جزيل المبرات، والمجد سعة الأوصاف وعظمتها، وأحق كلام يوصف بذلك هذا القرآن، الذي قد احتوى على علوم الأوَّلين والآخرين، الذي حوى من الفصاحة أكملَها، ومن الألفاظ أجزلَها، ومن المعاني أعمَّها وأحسنها.» تيسير الكريم الرحمن — السعدي
«فالمَجِيدُ المُتَّصِفُ بِقُوَّةِ المَجْدِ. والمَجْدُ ويُقالُ المُجادَّةُ: الشَّرَفُ الكامِلُ وكَرَمُ النَّوْعِ… وشَرَفُ القُرْآنِ مِن بَيْنِ أنْواعِ الكَلامِ أنَّهُ مُشْتَمِلٌ عَلى أعْلى المَعانِي النّافِعَةِ لِصَلاحِ النّاسِ فَذَلِكَ مَجْدُهُ.» التحرير والتنوير — ابن عاشور
السورة كلها عن إنكار البعث: ﴿أإذا متنا وكنا تراباً ذلك رجعٌ بعيد﴾. فأقسم بالقرآن ووصفه بالمجد لا بالعظمة فقط — لأن الحجة على البعث تحتاج كلاماً واسع الوجوه يقلّب المسألة من خلق السماء والأرض والنخل والحَب إلى قعود المَلَكين وسائق وشهيد. سعةُ الوجوه هي الدليل نفسه.
جاءت بعد ﴿بل الذين كفروا في تكذيب﴾ — أي: تكذيبهم إضراب لا حجة. فالردّ: ﴿بل هو قرآن مجيد﴾؛ ليس هذا الذي تردّونه كلاماً محتملاً، بل بلغ منتهى جنسه، ومحفوظ عندنا لا عندكم: ﴿في لوح محفوظ﴾.
«{بل هو قرآنٌ مجيدٌ}؛ أي: وسيع المعاني عظيمها كثير الخير والعلم.» تيسير الكريم الرحمن — السعدي
هنا مفتاح الدراسة كلها: نصفُ مواضع «المجيد» وصفٌ لكلام الله. وهذا يعني أن الاسم لا يُدرَس كصفةِ جلالٍ مجردة، بل كصفةٍ لها أثر نازل: مجدُ الذات ظهر في مجد كلامه. تعظيمُ القرآن هو الترجمة العملية للإيمان بهذا الاسم.
الوصف يعود إليه
وصف اللهُ نفسه بالمجد، ثم وصف به شيئين مما أضافه إلى نفسه — عرشَه وكلامَه. وليس في القرآن موصوفٌ رابع بهذا الوصف.
كلامُه
نصفُ مواضع الاسم — موضعان من أربعة — وصفٌ للقرآن لا للذات. وهذه أعلى نسبةٍ ينزل بها وصفٌ إلهيٌّ على الكلام في القرآن كله.
عرشُه
على قراءة الجمهور بالرفع هو وصفٌ لله؛ وعلى قراءة حمزة والكسائي وخلف بالجرّ هو وصفٌ للعرش. والقراءتان لا تتدافعان، لأن الوصف في الحالين راجعٌ إلى صاحب العرش.
ولم يترك ابن عاشور القاعدة تُستنبَط، بل نصّ عليها في الموضع نفسه:
«وقَرَأهُ الجُمْهُورُ بِالرَّفْعِ عَلى أنَّهُ خَبَرٌ رابِعٌ عَنْ ضَمِيرِ الجَلالَةِ. وقَرَأهُ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وخَلَفٌ بِالجَرِّ نَعَتا لِلْعَرْشِ فَوَصْفُ العَرْشِ بِالمَجْدِ كِنايَةٌ عَنْ مَجْدِ صاحِبِ العَرْشِ.» التحرير والتنوير — محمد الطاهر بن عاشور (ت ١٣٩٣هـ) · البروج ١٥
وهنا تتحوّل الدراسة إلى عمل: إذا كان نصفُ الاسم قد نزل على كلامه، فأقربُ ما يُنال به نصيبٌ من هذا الاسم هو تعظيمُ القرآن — تلاوةً وتدبّراً وإجلالاً. فتعظيمُ المصحف ليس أدباً زائداً على الإيمان بالاسم، بل هو ترجمتُه العملية.
الجدول الشامل
كل مواضع الجذر «مجد» في القرآن — أربعة، لا خامس لها. ولم يرد الجذر فعلاً قطّ، ولا وُصف به مخلوقٌ سوى العرش والقرآن؛ فلا شيء من مواضعه خارجَ موضوع الدراسة.
| # | الموضع | اللفظ | الصيغة | الموصوف | سياق الآية | وجه الختم بالاسم |
|---|---|---|---|---|---|---|
| ١ | هود ٧٣ | مَجِيدٌ | منكَّر · مقترن بـ«حميد» | الله | بشارة الملائكة بالبركة لأهل بيت إبراهيم | تعليل دوام البركة بسعة أوصاف المعطي |
| ٢ | ق ١ | الْمَجِيدِ | معرَّف · مجرور | القرآن | قسمٌ افتتاحي قبل إثبات البعث | سعةُ وجوه القرآن هي حجّته على المنكرين |
| ٣ | البروج ١٥ | الْمَجِيدُ | معرَّف · رفعاً وجرّاً | الله (رفعاً) / العرش (جرّاً) | بعد الغفور الودود، قبل فعال لما يريد | إثبات أهليّته للمُلك في مقابل ظلم الملوك |
| ٤ | البروج ٢١ | مَّجِيدٌ | منكَّر | القرآن | ردّ على تكذيب الكفار، قبل ﴿في لوح محفوظ﴾ | إثبات بلوغه منتهى جنسه وحفظه من التبديل |
رؤوس أقلام — كيف تعرَّف الله إليّ بهذا الاسم
١. الفرق اللغوي الدقيق
- مَجِيد على وزن «فَعِيل» — صفةُ ثبوتٍ ورسوخ، لا صفة حدثٍ يقع.
- ولذلك لم يرد الجذر فعلاً قط في القرآن: لا «مجَد» ولا «يمجُد» ولا «تمجيد». المجدُ لله ذاتيٌّ لا يُكتسب ولا يزيده ثناءُ مُثنٍ.
- «ماجِد» (اسم فاعل) ليست في القرآن أصلاً — والذي ثبت لفظُه هو «المجيد».
٢. المعرَّف والمنكَّر: اسم واحد
- ورد معرَّفاً مرتين ومنكَّراً مرتين، والمعنى واحد لا اسمان.
- لكن لاحِظ التوزيع: المعرَّف جاء في مقام التوكيد والقسم، والمنكَّر جاء في مقام التعليل والبشارة.
٣. الغياب دلالة
- لم يقترن «المجيد» بأي اسم آخر إلا الحميد — أضيق اقتران في الأسماء الحسنى.
- لم يقترن بأسماء القهر (العزيز، الجبار، المنتقم)، ولا بأسماء العلم (العليم، الخبير). كأن المجد بابُه الثناء والإكرام لا الغلبة ولا الإحاطة.
٤. موقعه في بنية القرآن
- في الافتتاح: أول سورة «ق» قَسَماً.
- في الخاتمة: قبيل آخر سورة البروج.
- في التشهد: خاتمة الصلاة الإبراهيمية «إنك حميدٌ مجيد» — أكثر ما يتردد هذا الاسم على لسان المسلم إنما هو في صلاته.
٥. نصيب الأمة من الجذر
- لم يرد في القرآن وصفُ إنسانٍ بالمجد. المجد الكامل لله، ومنه ما أفاضه على كلامه وعرشه.
- فحظُّ العبد ليس أن يَمجُد، بل أن يستمدّ من مجيد: يتعلق بكلامه فيرتفع قدره.
٦. الأثر التعبدي اليوم
- في التشهد: لا تمرّ على «إنك حميدٌ مجيد» مرور اللسان — استحضر أنك تسأل بركةً لا تنفد من واسع الأوصاف.
- مع المصحف: نصفُ مواضع الاسم عن القرآن؛ فتعظيمُ التلاوة والتدبر هو العبادة المخصوصة بهذا الاسم.
- عند الظلم والضيق: تذكّر ﴿ذو العرش المجيد﴾ — المالكُ أهلٌ لمُلكه، فالإنصاف آتٍ لا محالة.
- في الدعاء: اسأل بسعة أوصافه لا بقدر حاجتك؛ فالمجيد لا يُستكثر عليه شيء.
كيف تكون داعياً إلى المَجِيد
جملُ الافتتاح بين قوسين تُقال حرفياً.
افتح بمفارقة لغوية
الفرق الذي لا ينتبه له أحد: المجد ليس عظمةً فقط ولا كرماً فقط.
الإحصاء المفاجئ
رقمان يثيران سؤال «لماذا؟».
القاعدة الذهبية
النمط الحاكم لكل المواضع.
فصّل في الاقتران الوحيد
حميد + مجيد — وهو الاقتران الأضيق في الأسماء الحسنى.
أجمل المواضع المفردة
لطيفة البروج والقراءتين.
اختم ببنية كلية
موقع الاسم في القرآن كله + الأثر.
متفرّعٌ عنها
- دراسة تطبيقية · العبادة القولية والقلبيةتَمْجِيدُ الله﴿وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا﴾ — التمجيد ليس كلمةً تُقال، بل خمسةُ أبواب يدخل منها العبد إلى تعظيم ربه: باللسان، وبالقلب، وبالجوارح.
- وِرْدٌ عملي · تابعٌ لدراسة «طرق تمجيد الله»وِرْدُ التَّمْجِيدآياتٌ وأذكارٌ مأثورة مرتَّبة في سبع محطات، تُقرأ في مجلسٍ واحد — لا للدراسة، بل للتلاوة والتعبّد.