دراسة اسم من أسماء الله الحسنى
السَّمِيع
سمعٌ يُدرِك كلَّ صوت — ولا يُذكَر في القرآن وحده قطُّ، بل مقروناً دائماً بما يُتِمّ معناه: عِلمٌ يفهم، أو بصرٌ يرى، أو قُربٌ يُجيب.
الجذر: س م ع · الصيغة: فَعِيل · الجذر كله ١٨٥ موضعاً، منها ٤٥ وصفٌ لله بهذا الاسم
- في الدعاء المأثور
- ١٨٥
- مواضع الجذر كله
- ٤٥
- منها وصفٌ لله بالاسم
- ٠
- مرةً ورد الاسم وحده
- ٢
- ﴿سَمِعَ اللَّهُ﴾ فعلاً ماضياً
الخريطة المركزية
«السميع» لا يقف وحده. وأولُ ما يُسأل عنه: ما الفرق بينه وبين الأسماء التي يظنّها القارئ مرادفةً له؟ الفرق ليس في شدّة الإدراك، بل في بابه.
وأمّا القريب والرقيب
- القَرِيب لا يصف الإدراك بل المسافة — ولذلك اقترن بالسميع مرةً واحدة، في مقام الوحي (سبأ ٥٠).
- الرقيب والشهيد يصفان الحضور والمتابعة، لا التقاطَ الصوت نفسه.
- فالسميع أخصُّ من هذه كلها: هو الاسم الذي يُقال حين يكون لِما جرى صوت.
ملاحظة إحصائية لافتة
- ورد «السميع» معرَّفاً ١٩ مرة، ومنكَّراً ٢٤ مرة، ومضافاً إلى «الدعاء» مرتين.
- وفي الخمسة والأربعين كلها لم يقف وحده مرة واحدة.
- وهذا ما لا يُشبهه فيه كثيرٌ من الأسماء: فـ«العزيز» و«الحكيم» و«الغفور» تَرِد مفردةً في مواضع.
القاعدة الذهبية
قاعدةٌ واحدة تحكم المواضع الخمسة والأربعين، ونصّ عليها السعدي عند أوضح آيةٍ في الباب.
«{ليس كمثلِهِ شيءٌ}: أي: ليس يشبِهُه تعالى ولا يماثِلُه شيء من مخلوقاتِهِ لا في ذاته ولا في أسمائِهِ ولا في صفاتِهِ ولا في أفعالِهِ … {وهو السميعُ}: لجميع الأصوات، باختلاف اللغات، على تفنُّن الحاجات.» تيسير الكريم الرحمن — عبد الرحمن بن ناصر السعدي (ت ١٣٧٦هـ) · الشورى ١١
لجميع الأصوات
لا يشغله صوتٌ عن صوت، ولا يحجبه بُعدٌ ولا خفوت.
باختلاف اللغات
لا يحتاج إلى ترجمة، ولا يفوته لسانٌ لا يعرفه السامعون.
على تفنُّن الحاجات
يسمعها وهي حاجات، لا أصواتاً مجردة — ومن هنا صار السمع في القرآن سمعَ إجابة.
لماذا لا يُذكر وحده؟
- السمع وحده إدراكُ صوتٍ، ويقع للمخلوق. فلو أُفرد لَما ارتفع عن سمع الخلق.
- فإذا قُرن بـالعليم صار: سمِع الصوتَ وعلِم ما وراءه.
- وإذا قُرن بـالبصير صار: أحاط بما يُسمَع وما لا صوت له.
- وإذا قُرن بـالقريب صار: سمِعك وهو منك قريب — فالإجابة لازمة.
ردٌّ في اتجاهين معاً
- آية الشورى تنفي الشبه وتُثبت السمع في نَفَسٍ واحد، ولذلك قال السعدي:
- «وفيها ردٌّ على المشبِّهة في قوله: {ليس كمثلِهِ شيءٌ}، وعلى المعطِّلة في قوله: {وهو السميعُ البصيرُ}.»
- فمن نفى الصفة فقد ردّ آخرَ الآية، ومن شبّهها بسمع الخلق فقد ردّ أوّلها.
مواضع الاسم في القرآن
ستة مواضع مفتاحية — لكلٍّ منها ما ليس لغيره — ثم بقيةُ المواضع مطويّةً تحتها. مع كل موضع آيةٌ قبله وآيةٌ بعده، وزرٌّ يفتح صفحة المصحف نفسها.
بقية المواضع — ثلاثة مواضع لافتة من التسعة والثلاثين الباقية
بطاقات الأنماط
أربعة أنماط تستوعب المواضع الخمسة والأربعين. ولاحظ أن الثلاثة الأولى اقترانات، والرابع فعل — وهو أندرها وأثقلها.
السَّمِيعُ العَلِيم
الدعاء صوتٌ ونيّة. فلو قيل «السميع» وحده لَبقي السؤال: سمِع اللفظ، فهل عَلِم ما تحته؟ ولو قيل «العليم» وحده لَبقي: عَلِم ما في القلب، فهل لِنُطقي معنى؟ فاجتمع الاسمان ليُقال: نُطقُك مسموع، وما تحته معلوم — ولذلك غلب هذا الاقتران على مقامات الدعاء والنذر والقَسَم واليمين.
معرَّفاً «السميع العليم» في ١٥ موضعاً، ومنكَّراً «سميع عليم» في ١٥، وبـ«لَسميعٌ عليم» موضع، و«سميعاً عليماً» موضع. والترتيب ثابت لا يتخلّف: السميع أولاً، العليم ثانياً — على ترتيب الحدث نفسه، يُسمَع الصوت ثم يُعلَم مراده.
اقرأ مواضعه تجدها كلها مقاماتِ كلامٍ يُقال: نذرُ امرأة عمران (آل عمران ٣٥)، ودعاءُ إبراهيم (البقرة ١٢٧)، واليمينُ باللسان (البقرة ٢٢٤)، وعزمُ الطلاق (البقرة ٢٢٧)، والاستعاذةُ من الوسواس (الأعراف ٢٠٠). الاسم يُختم به حيثما كان في الآية قولٌ منطوق.
السَّمِيعُ البَصِير
هنا لا يُراد فهمُ ما وراء الصوت، بل استيعابُ ما لا صوت له. الظلمُ قد يقع بلا كلمة، والأمانةُ تُخان بفعلٍ صامت. فجاء «البصير» ليسدّ ما لا يبلغه السمع — ولذلك غلب هذا الاقتران على مقامات العدل والقضاء والحكم بين الناس.
«{وهو السميعُ}: لجميع الأصوات، باختلاف اللغات، على تفنُّن الحاجات. {البصير}: يرى دبيبَ النملة السوداء، في الليلة الظلماء، على الصخرة الصمَّاء.» تيسير الكريم الرحمن — السعدي (ت ١٣٧٦هـ) · الشورى ١١
﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ﴾ تُختم بـ﴿سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ (النساء ٥٨)؛ و﴿وَاللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ﴾ تُختم بـ﴿هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ (غافر ٢٠). حيث يكون حُكمٌ يقع على الناس، يُذكر الاسمان معاً.
الشورى ١١ تجمع النفي والإثبات في نَفَسٍ واحد، وقد قال السعدي: «وفيها ردٌّ على المشبِّهة في قوله: {ليس كمثلِهِ شيءٌ}، وعلى المعطِّلة في قوله: {وهو السميعُ البصيرُ}.» فالآية بابٌ في العقيدة قبل أن تكون موضعاً للاسم.
سَمِيعُ الدُّعَاء
في المواضع الثلاثة والأربعين الأخرى يُقرن الاسم باسم. وهنا وحدهما يُضاف إلى مفعوله: سميعُ الدعاء. والإضافة تخصيص: ليس المراد إثباتَ السمع مطلقاً، بل أن هذا الصوت بعينه — الدعاء — مسموعٌ له. وسمعُ الدعاء في لسان العرب ليس التقاطاً بل استجابة.
وكلاهما على لسان نبيٍّ رُزق ولداً على الكِبَر: زكريا يقولها طالباً قبل أن يُجاب، وإبراهيم يقولها شاكراً بعد أن أُجيب: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾. فالصيغة نفسها تفتح الدعاء وتختمه.
وفي آل عمران يقع الجواب سريعاً حتى إن الملائكة نادته وهو قائمٌ يصلي في المحراب. فبين قوله «إنك سميع الدعاء» وبين البشارة آيةٌ واحدة.
قَدْ سَمِعَ اللَّه
الاسم يَرِد خمساً وأربعين مرة، وأمّا الفعل الماضي مسنداً إلى الله فمرتان لا ثالثة لهما. والفعل يُخبر عن واقعةٍ بعينها سُمعت، لا عن صفةٍ عامة. فأيُّ قولين استحقّا أن يُقال فيهما «قد سمع الله»؟
- الأول أغلظُ ما قيل في حقّه: ﴿إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ﴾ — وجوابُه ﴿سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا﴾.
- والثاني شكوى امرأةٍ في بيتها عن زوجها — وجوابُه سورةٌ كاملة تُفتتح بها وتُسمّى بها.
فالفعل الذي جاء مرتين جاء لأثقل كلمةٍ وأخفتِها. ولم يُذكر بينهما شيء.
وقد ذكر السعدي سببها: «نزلت هذه الآيات الكريماتُ في رجل من الأنصار اشتكتْه زوجته إلى الله وجادلته إلى رسول الله ﷺ … فشكتْ حالَها وحالَه إلى الله وإلى رسول الله ﷺ، وكرَّرت ذلك، وأبدتْ فيه وأعادتْ.» ثم قال في ختامها: «وفي ضمن ذلك الإشارة بأنَّ الله [تعالى] سيزيلُ شكواها ويرفع بلواها.» تيسير الكريم الرحمن — السعدي (ت ١٣٧٦هـ) · المجادلة ١
الجدول الشامل
أنماط الاسم الخمسة والأربعين وفعلُه، مجموعةً. وبقيةُ مواضع الجذر — نحو مئةٍ وأربعين — سمعُ المخلوقين وصممُهم وإصغاؤهم، وهي خارج موضوع الدراسة ولم تُفرَد هنا.
| # | الصيغة | العدد | الموصوف | مقامها الغالب | مثالها |
|---|---|---|---|---|---|
| ١ | السَّمِيعُ العَلِيم | ١٥ معرَّفاً | الله | الدعاء والنذر والقول المنطوق | البقرة ١٢٧ |
| ٢ | سَمِيعٌ عَلِيم | ١٥ منكَّراً | الله | اليمين والعزم والاستعاذة | الأعراف ٢٠٠ |
| ٣ | السَّمِيعُ البَصِير | ٤ معرَّفاً | الله | القضاء والحكم والإسراء | الشورى ١١ |
| ٤ | سَمِيعٌ بَصِير | ٤ منكَّراً | الله | الاصطفاء والبعث والشكوى | المجادلة ١ |
| ٥ | سَمِيعًا بَصِيرًا | ٢ | الله | أداء الأمانات والحكم بالعدل | النساء ٥٨ |
| ٦ | سَمِيعًا عَلِيمًا · لَسَمِيعٌ عَلِيم | ٢ | الله | الجهر بالسوء، وتبييت القول | النساء ١٤٨ · الأنفال ٤٢ |
| ٧ | سَمِيعٌ قَرِيب | ١ | الله | الوحي — اقتران فريد | سبأ ٥٠ |
| ٨ | سَمِيعُ الدُّعَاء | ٢ | الله | طلبُ الولد على الكِبَر — صيغة فريدة | آل عمران ٣٨ · إبراهيم ٣٩ |
| ٩ | سَمِعَ اللَّهُ | ٢ فعلاً | فعلُه سبحانه | أغلظُ قولٍ قيل، وأخفتُ شكوى رُفعت | آل عمران ١٨١ · المجادلة ١ |
رؤوس أقلام — كيف تعرَّف الله إليّ بهذا الاسم
١. الفرق اللغوي الدقيق
- سَمِيع على وزن «فَعِيل» — صفةُ ثبوتٍ لا حدثٍ يطرأ؛ فليس سمعاً يبتدئ عند الصوت وينقطع بعده.
- ولذلك جاء الاسم خمساً وأربعين مرة، وجاء الفعل مرتين فقط: الصفة ثابتة، والفعل يُذكر للواقعة.
٢. الغياب دلالة
- لم يُذكر «السميع» في القرآن وحده مرة واحدة — لا معرَّفاً ولا منكَّراً.
- ولم يقترن بأسماء القهر: لا العزيز، ولا الجبار، ولا المنتقم.
- كأنّ باب السمع بابُ إحاطةٍ وإجابة، لا بابُ غلبة.
٣. أين يُذكر — ومتى
- في الدعاء: خاتمةُ دعاء إبراهيم وإسماعيل وزكريا وامرأة عمران.
- في الاستعاذة: تعليلُ الأمر بها في الأعراف ٢٠٠ وفصلت ٣٦.
- في الخصومة: عند اليمين والطلاق والشكوى والقضاء.
- ثلاثتها مقاماتُ كلامٍ يُقال ولا يسمعه أحد كما يجب.
٤. نصيب المخلوق من الجذر
- وُصف الإنسان بـ«سميعاً» مرةً واحدة: ﴿فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ (الإنسان ٢).
- وانظر قيدَها: فجعلناه — عطيّة لا أصالة؛ ونبتليه — للاختبار لا للتشريف.
- ووُصف بها المؤمنُ في مَثَلٍ: ﴿كَالْأَعْمَىٰ وَالْأَصَمِّ وَالْبَصِيرِ وَالسَّمِيعِ﴾ (هود ٢٤) — وهي المرة الوحيدة التي جاء فيها «السميع» معرَّفاً لغير الله، وفي ضربِ مثل.
٥. سمعٌ بمعنى الإجابة
- «سميع الدعاء» لا تعني أنه يلتقط الصوت، بل أنه يستجيب؛ ولهذا قالها زكريا طلباً وقالها إبراهيم شكراً.
- والسعدي يقول في المجادلة إن في الآية «الإشارة بأنَّ الله سيزيلُ شكواها ويرفع بلواها» — فالسمعُ في السياق وعدٌ بالفرج.
٦. الأثر التعبدي اليوم
- حين تُظلَم ولا أحد يصدّقك: سورةٌ كاملة نزلت لامرأةٍ واحدة اشتكت. القضية التي لا يسمعها أحد مسموعة.
- حين تدعو بلا صوت: «لجميع الأصوات، باختلاف اللغات» — والخافتُ عنده كالجهر.
- حين تتكلم: نصفُ مواضع الاسم في مقام قولٍ يُقال؛ فمن آمن بأنه سميع حَرَس لسانه.
- عند الوسوسة: ﴿فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ — استعاذتُك مسموعةٌ ساعةَ تقولها.
كيف تكون داعياً إلى السَّمِيع
جملُ الافتتاح بين قوسين تُقال حرفياً.
افتح بالإحصاء المفاجئ
رقمٌ يثير سؤال «لماذا؟» قبل أي تفسير.
أجب: لأن السمع وحده لا يكفي
القاعدة الذهبية في جملتين.
انتقل إلى الفعل — وهنا القلب
الاسم خمسٌ وأربعون مرة، والفعل مرتان.
اذكر القولين
أثقلُ كلمة وأخفتُ شكوى.
قف عند جواب الشكوى
ما الذي نزل جواباً؟
اختم بنصيب السامع
ما يخرج به المستمع ويعمله الليلة.