دراسة اسم من أسماء الله الحسنى

العَلِيم

علمٌ لا يُذكَر في القرآن مجرَّداً قطُّ: إمّا قُرِن باسمٍ يُنفِّذه — حكيمٌ، قديرٌ، عزيزٌ، خلّاقٌ — وإمّا قُيِّد بما يَعلَمه — بكلِّ شيءٍ، بذاتِ الصدور، بالظالمين. وفي أربعةِ مواضعَ وحدها دخل المتعلَّقُ في الاسم نفسه: علّامُ الغيوب.

الجذر: ع ل م  ·  ثلاث صيغ للاسم: عالِم (اسم فاعل) · عَلِيم (فَعِيل) · عَلَّام (فَعَّال)  ·  صيغة «عليم» ١٣٩ موضعاً، منها ١٣١ وصفٌ لله

  • في آيات الحشر
  • في أذكار الصلاة
  • في الأذكار المأثورة
  • في الدعاء المأثور
١٣٩
مواضع صيغة «عليم»
١٣١
منها وصفٌ لله
١٣
مواضع «عالِم الغيب»
٤
مواضع «علّام الغيوب»

الخريطة المركزية

من جذرٍ واحد ثلاثةُ أسماءٍ لله، لا واحدٌ. وأولُ ما يُسأل عنه: إن كان المعنى هو العلم في الثلاثة، فما الذي يصنعه كلُّ اسمٍ ولا يصنعه أخوه؟ الفرقُ ليس في مقدار العلم — فالعلمُ كاملٌ في كلِّ صيغةٍ منها — بل في ما تُثبته الصيغةُ للمعلوم.

أصلُ الكلمة: العلمُ والعَلامة

ردَّ ابنُ فارسٍ الجذرَ إلى أصلٍ واحدٍ يجمع العلمَ والعَلامةَ معاً:

«(علم) العين واللام والميم أصل صحيح واحد، … والعلم: نقيض الجهل، وقياسه قياس العلم والعلامة» مقاييس اللغة — ابن فارس (ت ٣٩٥هـ) · ٤/١٠٩، نقلاً عن موسوعة شرح أسماء الله الحسنى ٢/٥٧

فالعلمُ في أصل اللغة قريبٌ من العَلَم المنصوب في الطريق: هو ما به يتميّز الشيءُ عن غيره فلا يُشتبَه.

ولمَ «عَلَّام» لا «عالِم» هناك؟

نقل الجوهريُّ أنّ الزيادةَ في البناء زيادةٌ في المعنى:

«… ورجل علامة، أي: عالم جدًّا، والهاء للمبالغة» الصحاح — الجوهري (ت ٣٩٣هـ) · ٥/١٩٩٠، نقلاً عن موسوعة شرح أسماء الله الحسنى ٢/٥٧

وفي «علّام الغيوب» قال الرازي: «والعَلَّامُ مبالغةٌ في العالِم، والغيبُ ما كان غائباً عن الخلق» — فالصيغةُ أبلغُ، والمتعلَّقُ أخفى، والاثنان في كلمتين.

القاعدة الذهبية

اقرأ المواضعَ الواحدةَ والثلاثين بعد المئة بهذه القاعدة، تجدها كلَّها — إلا واحداً — تنتظم فيها: علمُ الله في القرآن لا يُترَك بلا متعلَّق. فلستَ تقرأ في القرآن «إنّ الله عليمٌ» ثم يُسكَت؛ بل يُقرَن بمن يُنفِّذ العلمَ، أو يُقيَّد بما يَعلَمه، أو يُحمَل المتعلَّقُ في الاسم نفسه. وقد قرّر ابن كثيرٍ هذا الوجهَ في أوّل موضعٍ وقع فيه الاسمُ معرَّفاً من المصحف — حيث قالت الملائكة: ﴿إِنَّكَ أَنتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾:

«هذا تقديس وتنزيه من الملائكة للّه تعالى … الحكيم في خلقك وأمرك، وفي تعليمك ما تشاء ومنعك ما تشاء، لك الحكمة في ذلك؛ والعدل التام» تفسير ابن كثير — ابن كثير (ت ٧٧٤هـ) · ١/٣٣٧ · البقرة ٣٢

فالعلمُ وحدَه خبرٌ، والعلمُ مع الحكمة تصرُّفٌ: يُعلِّم من يشاء ويمنع من يشاء، وفي ذلك كلِّه حكمةٌ وعدلٌ. وهذا هو منطقُ الاقتران في القرآن كلِّه.

١ · مقرونٌ باسمٍ يُنفِّذ

الحكيم (٢٦ موضعاً)، العزيز (٦)، القدير (٣)، الخلّاق (٢)، الفتّاح (١) — علمٌ بيدِه أن يفعل.

٢ · مقيَّدٌ بما يَعلَمه

﴿بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ (١٦)، ﴿عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ (١٢)، ﴿عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ﴾ (٤) — علمٌ له موضوعٌ مسمّى.

٣ · أو المتعلَّقُ في الاسم

﴿عَلَّٰمُ الْغُيُوبِ﴾ (٤) — لا قرينَ ولا قيدَ من خارج؛ لأنّ القيدَ صار نصفَ الاسم.

الفرق الصرفي في ثلاثة أسطر

  • عالِم (اسم فاعل): يُثبت العلمَ ويُضاف إلى معلومه دائماً في القرآن — عالِمُ الغيب، عالِمُ غيبِ السماوات والأرض. لم يأتِ قطُّ «العالِمُ» مفرداً معرَّفاً.
  • عَلِيم (فَعِيل): صفةٌ ثابتةٌ لازمة، لا تَحدُث ولا تُفارق؛ وهي صيغةُ الاسم الحسن الذي يُدعى به.
  • عَلَّام (فَعَّال): مبالغةٌ، ولا يأتي إلا مضافاً إلى الغُيوب جمعاً.

ملاحظة إحصائية لافتة

  • من المواضع الواحد والثلاثين بعد المئة التي وُصف الله فيها بـ«عليم»، مئةٌ وثلاثون إمّا مقرونةٌ باسمٍ وإمّا مقيَّدةٌ بمتعلَّق.
  • والموضعُ الواحدُ الخارجُ هو ﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ (يوسف ٧٦) — وهو الموضعُ المختلَفُ في المرادِ به أصلاً: أهو اللهُ أم عالِمٌ أعلمُ من عالِم؟ فاستثناؤه نفسُه يشهد للقاعدة.

مواضع الاسم في القرآن

سبعةُ مواضعَ مفتاحية — لكلٍّ منها ما ليس لغيره — ثم بقيّةُ المواضع مطويّةً تحتها. مع كلِّ موضعٍ آيةٌ قبله وآيةٌ بعده، وزرٌّ يفتح صفحةَ المصحف نفسها.

﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَٰؤُلَاءِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ ٣١
﴿قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾
﴿قَالَ يَاآدَمُ أَنبِئْهُم بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنبَأَهُم بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ﴾ ٣٣
البقرة ٣٢ — أوّلُ موضعٍ في المصحف يُذكَر فيه الاسمُ معرَّفاً، وهو على لسان الملائكة لا على لسانِ الوحي الخبريّ. واقرأ الثلاثَ على التوالي ترَ بناءً كاملاً: عَلَّمَ آدمَ (٣١) ← فاعترفوا لا عِلمَ لنا إلا ما عَلَّمتَنا (٣٢) ← فقرّر إنّي أعلمُ غيبَ السماوات والأرض (٣٣). التعليمُ أولاً، فالاعترافُ، فالتقرير. ويقول ابن عاشور إنّ «افتتاحَ كلامِهم بالتسبيح وقوفٌ في مقام الأدب والتعظيم لذي العظمة المطلقة».
﴿قُل لَّوْ أَنَّ عِندِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ لَقُضِيَ الْأَمْرُ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالظَّالِمِينَ﴾ ٥٨
﴿وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ﴾
﴿وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّىٰكُم بِالَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُم بِالنَّهَارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضَىٰ أَجَلٌ مُّسَمًّى ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ ثُمَّ يُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ٦٠
الأنعام ٥٩ — ليس فيها لفظُ الاسم، وفيها تفصيلُه. قال السعدي: «هذه الآية العظيمة، من أعظم الآيات تفصيلا لعلمه المحيط، وأنه شامل للغيوب كلها، التي يطلع منها ما شاء من خلقه. وكثير منها طوى علمه عن الملائكة المقربين، والأنبياء المرسلين، فضلا عن غيرهم من العالمين». ويقرأ ابن عاشور ﴿مَفَاتِحُ الْغَيْبِ﴾ استعارةً: شُبِّهت الأمورُ المغيَّبةُ «بالمتاع النفيس الذي يُدَّخر بالمخازن والخزائن المستوثق عليها بأقفال بحيث لا يعلم ما فيها إلا الذي بيده مفاتحها».
﴿ذَٰلِكَ أَدْنَىٰ أَن يَأْتُوا بِالشَّهَادَةِ عَلَىٰ وَجْهِهَا أَوْ يَخَافُوا أَن تُرَدَّ أَيْمَانٌ بَعْدَ أَيْمَانِهِمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاسْمَعُوا وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ ١٠٨
﴿يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ قَالُوا لَا عِلْمَ لَنَا إِنَّكَ أَنتَ عَلَّٰمُ الْغُيُوبِ﴾
﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ يَاعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلَىٰ وَالِدَتِكَ إِذْ أَيَّدتُّكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَىٰةَ وَالْإِنجِيلَ وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِي وَتُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ بِإِذْنِي وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتَىٰ بِإِذْنِي وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَنكَ إِذْ جِئْتَهُم بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ إِنْ هَٰذَا إِلَّا سِحْرٌ مُّبِينٌ﴾ ١١٠
المائدة ١٠٩ — الرسلُ أنفسُهم يقولون: لا عِلمَ لنا. وهي الكلمةُ نفسُها التي قالتها الملائكةُ في البقرة ٣٢؛ قالها هناك أهلُ السماء، وقالها هنا أهلُ الرسالة. قال السعدي في ﴿لَا عِلْمَ لَنَا﴾: «وإنما العلم لك يا ربنا، فأنت أعلم منا»، وفي ﴿عَلَّٰمُ الْغُيُوبِ﴾: «أي: تعلم الأمور الغائبة والحاضرة». ويقول ابن عثيمين إنّ «أنت» ههنا تُفيد الحصر — فليس إثباتاً لعلمه فقط، بل نفياً له عن غيره.
﴿فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَىٰ يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾ ٧٧
﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَىٰهُمْ وَأَنَّ اللَّهَ عَلَّٰمُ الْغُيُوبِ﴾
﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ ٧٩
التوبة ٧٨ — الموضعُ الوحيدُ من الأربعة الذي يقوله الله عن نفسه لا يقوله مخلوقٌ بين يديه. وتأمَّل التدرُّجَ الذي يرسمه ابن عاشور: السرُّ «ما يخفيه المرء من كلام وما يُضمر في نفسه»، والنجوى «المحادثة بخفاء» — ثم: «ثُمَّ عَمَّمَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: وَأَنَّ اللَّهَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ أَيْ قَوِيٌّ عِلْمُهُ لِجَمِيعِ الْغُيُوبِ. وَالْغُيُوبُ: جَمْعُ غَيْبٍ وَهُوَ مَا خَفِيَ وَغَابَ عَنِ الْعِيَانِ». فمن سِرِّ رجلٍ واحدٍ إلى غُيوبِ العالمين في آيةٍ واحدة.
﴿قُلْ مَا سَأَلْتُكُم مِّنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ ٤٧
﴿قُلْ إِنَّ رَبِّي يَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَّٰمُ الْغُيُوبِ﴾
﴿قُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَمَا يُبْدِئُ الْبَاطِلُ وَمَا يُعِيدُ﴾ ٤٩
سبأ ٤٨ — أقصرُ موضعٍ للاسم في القرآن: ستُّ كلماتٍ تُنهي جدالاً امتدَّ سورةً. يقول ابن عاشور: «لَا جَرَمَ إِذِ انْتَهَى الِاسْتِدْلَالُ وَالْمُجَادَلَةُ أَنْ يُنْتَقَلَ إِلَى النِّدَاءِ بَيْنَ ظَهْرَانِيهِمْ بِظُهُورِ الْحَقِّ فَيُسْتَغْنَى عَنْ مُجَادَلَتِهِمْ». وفسّر قتادةُ ﴿بِالْحَقِّ﴾ بالوحي، وعنه: الحقُّ القرآن؛ وقال ابن عباس: «أي يقذف الباطل بالحق علام الغيوب».
﴿لَوْ أَنزَلْنَا هَٰذَا الْقُرْآنَ عَلَىٰ جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُّتَصَدِّعًا مِّنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ ٢١
﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَٰنُ الرَّحِيمُ﴾
﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ ٢٣
الحشر ٢٢ — في أكثفِ موضعٍ للأسماء في القرآن، أوّلُ وصفٍ بعد التوحيد هو العلم. قال السعدي: «ثم وصف نفسه بعموم العلم الشامل، لما غاب عن الخلق وما يشاهدونه، وبعموم رحمته التي وسعت كل شيء ووصلت إلى كل حي». ويُحصي ابن عاشور في السورة ذكرَ اسمِ الله وضمائرِه وصفاتِه «أَرْبَعِينَ مَرَّةً مِنْهَا أَرْبَعٌ وَعِشْرُونَ بِذِكْرِ اسْمِ الْجَلَالَةِ وَسِتَّ عَشْرَةَ مَرَّةً بِذِكْرِ ضَمِيرِهِ الظَّاهِرِ، أَوْ صِفَاتِهِ الْعَلِيَّةِ».
﴿قُلْ إِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ مَّا تُوعَدُونَ أَمْ يَجْعَلُ لَهُ رَبِّي أَمَدًا﴾ ٢٥
﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَىٰ غَيْبِهِ أَحَدًا﴾
﴿إِلَّا مَنِ ارْتَضَىٰ مِن رَّسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا﴾ ٢٧
الجن ٢٦ — الموضعُ الذي يُغلِق البابَ. الاسمُ ههنا لا يُثبت العلمَ فحسب، بل يَنفيه عن كلِّ أحدٍ: ﴿فَلَا يُظْهِرُ عَلَىٰ غَيْبِهِ أَحَدًا﴾، ثم يُستثنى الرسولُ بقَدَرٍ محفوظٍ بالرَّصَد. وسياقُه أنّ المشركين — كما يذكر ابن عاشور — «كَانُوا يُكْثِرُونَ أَنْ يَسْأَلُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ: مَتى هذَا الْوَعْدُ»، فجاء الجوابُ قبلَه: ﴿قُلْ إِنْ أَدْرِي﴾ — فالنبيُّ نفسُه لا يدري، وهذه هي الآيةُ التي تُعلِّل.
بقيةُ المواضع المفتاحية — ٤ مواضع
﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَاعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَٰهَيْنِ مِن دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِن كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنتَ عَلَّٰمُ الْغُيُوبِ﴾
المائدة ١١٦ — الموضعُ الثاني في السورة نفسها، وفيه أدقُّ ما قيل في حدِّ العلم بين العبد وربّه: ﴿تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ﴾. عيسى ﵇ لا ينفي عن نفسه العلمَ كلَّه، بل يَصِف الطريقَ: مفتوحٌ من جهةٍ واحدةٍ فقط.
﴿وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَىٰ بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثًا فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ وَأَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَن بَعْضٍ فَلَمَّا نَبَّأَهَا بِهِ قَالَتْ مَنْ أَنبَأَكَ هَٰذَا قَالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ﴾
التحريم ٣ — الموضعُ الوحيدُ في القرآن الذي يقع الاسمُ فيه فاعلاً لفعلٍ ماضٍ واقعٍ في حادثةٍ بعينها: ﴿نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ﴾. سُئل النبيُّ ﷺ: مَن أخبرك؟ فلم يُسمِّ بشراً، وسمّى الاسم. وهذا هو الاسمُ في بيتٍ، لا في آيةٍ عامّة.
﴿إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾
لقمان ٣٤ — خاتمةُ السورة، وفيها يُعدَّد من مفاتح الغيب خمسٌ بأسمائها: الساعةُ، والغيثُ، وما في الأرحام، وكسبُ الغد، وأرضُ الموت. فما كان في الأنعام ٥٩ مجموعاً في كلمةٍ صار هنا مفصَّلاً في خمس.
﴿فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعَاءِ أَخِيهِ ثُمَّ اسْتَخْرَجَهَا مِن وِعَاءِ أَخِيهِ كَذَٰلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَّن نَّشَاءُ وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾
يوسف ٧٦ — الموضعُ الوحيدُ المختلَفُ فيه: هل ﴿عَلِيمٌ﴾ ههنا اللهُ، أم عالِمٌ من الخلقِ أعلمُ ممّن دونه؟ وهو كذلك الموضعُ الوحيدُ الذي لم يُقرَن فيه الاسمُ باسمٍ ولا قُيِّد بمتعلَّق — فلو كان لله لكان الاستثناءَ الأوحد، ولو كان لمخلوقٍ لم يكن من الباب. وبقاؤه مختلَفاً فيه هو جوابُه.

بطاقات الأنماط

لكلِّ نمطٍ: منطقُه، مواضعُه، ووجهُ ختمِ الآية به. والأنماطُ الستّةُ تستوعب المواضعَ كلَّها.

النمط الأول · ٢٦ موضعاً

العَلِيم الحَكِيم — علمٌ لا يُفارق الحكمة

﴿قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾
البقرة ٣٢ — وهو أكثرُ اقترانٍ للاسم في القرآن على أربع صور.
🔑 منطق الاقتران

العلمُ يُدرِك، والحكمةُ تَضَع كلَّ شيءٍ موضعَه. فلو انفرد العلمُ لكان إحاطةً بلا تصرُّف؛ ولو انفردت الحكمةُ لكانت تدبيراً على غير علم. وابن كثير يُنزِلُ الحكمةَ على التعليم نفسِه:

«الحكيم في خلقك وأمرك، وفي تعليمك ما تشاء ومنعك ما تشاء، لك الحكمة في ذلك؛ والعدل التام» تفسير ابن كثير — ابن كثير (ت ٧٧٤هـ) · ١/٣٣٧
📊 التوزيع الدقيق

منكَّراً على الترتيب ﴿عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾: ١٥ موضعاً. ومنكَّراً معكوساً ﴿حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾: ٥. ومعرَّفاً ﴿الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾: ٤. ومعرَّفاً معكوساً ﴿الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ﴾: ٢. فالترتيبُ ليس لازماً، والاقترانُ لازم.

✨ لطيفة

الصيغةُ المعكوسةُ ﴿حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾ تتركّز في الأنعام (ثلاثُ مرّاتٍ: ٨٣، ١٢٨، ١٣٩) — وهي السورةُ التي فيها آيةُ ﴿مَفَاتِحُ الْغَيْبِ﴾. فحيث فُصِّل العلمُ أكثرَ ما فُصِّل، قُدِّمت الحكمةُ عليه في الختم.

النمط الثاني · ٣١ موضعاً

السَّمِيع العَلِيم — بابُ الصوت وبابُ القلب

﴿إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾
الشعراء ٢٢٠ — أقصرُ صورةٍ لهذا الاقتران.
🔑 منطق الاقتران

السمعُ بابُه المنطوق، والعلمُ بابُه ما لم يُنطَق. فإذا اجتمعا لم يبقَ للعبد بابٌ: ما قلتَه سُمِع، وما لم تقُله عُلِم. ولذلك يكثر هذا الاقترانُ في آيات الدعاء والنذر والشكوى — حيث يُخشى أن يكون في النفس ما لم يَبلُغه اللسان.

📊 التوزيع الدقيق

معرَّفاً ﴿السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾: ١٥ موضعاً. ومنكَّراً ﴿سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾: ١٦. وهو أكثرُ ما اقترن به اسمُ السميع — وقد أُفرِدت له دراسةٌ.

🎯 وجه ختم الآية به

في البقرة ١٢٧ يَرفع إبراهيمُ وإسماعيلُ القواعدَ ويدعوان، فيُختَم بـ﴿السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾. وفي آل عمران ٣٥ تَنذُر امرأةُ عمرانَ ما في بطنها، فيُختَم بالاسمين نفسِهما. الدعاءُ مسموعٌ، والنيّةُ معلومة.

النمط الثالث · ٢٨ موضعاً

المتعلَّقُ المذكور — ﴿بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ و﴿عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾

﴿إِنَّ اللَّهَ عَالِمُ غَيْبِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾
فاطر ٣٨ — آيةٌ واحدةٌ فيها صيغتان من الاسم: عالِمٌ مضافاً، وعليمٌ مقيَّداً.
📊 التوزيع الدقيق

﴿بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾: ١٦ موضعاً — أوسعُ قيدٍ ممكن. ﴿عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾: ١٢ — أضيقُ قيدٍ ممكن. والعجبُ أنّ الطرفين وحدَهما يُذكَران: لا موضعَ يقول «عليمٌ بالسماء» ولا «عليمٌ بالبحر» — بل إمّا كلُّ شيء، وإمّا ما في صدرك.

🎯 وجه ختم الآية به

اقرأ مواضعَ ﴿بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ تجدها كلَّها في سياقِ ما لا يُرى: نفاقٌ يُكتَم (آل عمران ١١٩، ١٥٤)، وثيابٌ يُستغشى بها ليُستخفى (هود ٥)، وقولٌ يُسرّ أو يُجهَر (الملك ١٣). الاسمُ يُختَم به حيث يَظُنّ أحدٌ أنّ للسِّرِّ مَخبأً.

✨ لطيفة

وفي سائر القيود تسميةٌ لأصنافٍ بأعيانها: ﴿عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ﴾ (٤ مواضع)، ﴿عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ﴾ (٢)، ﴿عَلِيمٌ بِالْمُفْسِدِينَ﴾ (١)، ﴿بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ﴾ (١)، ﴿بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾ (١). فالقيدُ يَتبع المقام.

النمط الرابع · ١٢ موضعاً

علمٌ يَنفُذ — العزيزُ والقديرُ والخلّاقُ والفتّاح

﴿أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَىٰ أَن يَخْلُقَ مِثْلَهُم بَلَىٰ وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ﴾
يس ٨١ — خاتمةُ الاستدلال على البعث.
🔑 منطق الاقتران

العلمُ قد يكون عاجزاً في المخلوق: يَعلَم ولا يَقدِر. فإذا قُرِن العلمُ بالعزّة أو القدرة أو الخَلْق انقطع هذا الوهم. ﴿الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ﴾ موضعان (الحجر ٨٦، يس ٨١) وكلاهما في سياق البعث: يَعلَم أين ذهب كلُّ جزءٍ منك، ويَقدِر أن يُعيده.

📊 التوزيع الدقيق

﴿الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ﴾: ٦ مواضع. ﴿عَلِيمٌ قَدِيرٌ﴾ و﴿الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ﴾: ٣. ﴿الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ﴾: ٢. ﴿الْفَتَّاحُ الْعَلِيمُ﴾: ١ — مرّةً واحدةً في القرآن، في سبأ ٢٦.

✨ لطيفة

ثلاثةٌ من مواضع ﴿الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ تُختَم بها آياتُ التقدير بلفظها: ﴿ذَٰلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ (الأنعام ٩٦، يس ٣٨، فصلت ١٢) — في الفَلَق والشمس والسماء. فالتقديرُ في القرآن لا يُنسَب إلى قوّةٍ وحدَها، بل إلى قوّةٍ عالمة.

النمط الخامس · ١٣ موضعاً

عالِمُ الغيب والشهادة — القسمةُ التي لا ثالثَ لها

﴿عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ﴾
الرعد ٩ — آيةٌ كاملةٌ من خمس كلمات، وفيها الاسمُ مع اسمَي العُلوّ.
🔑 منطق الصيغة

«عالِم» في القرآن لا يأتي مفرداً معرَّفاً قطُّ؛ يأتي مضافاً إلى معلومه دائماً. وهذه الإضافةُ تصنع قسمةً حاصرة: الموجودُ إمّا غائبٌ عنك وإمّا مشهودٌ لك، ولا ثالث — والله عالِمُهما. فإضافةُ الاسم ههنا ليست تقييداً لعلمه، بل استيعابٌ للمعلوم كلِّه بأقصر عبارة.

📊 التوزيع الدقيق

﴿عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ﴾: ١٠ مواضع. و﴿عَالِمُ الْغَيْبِ﴾ مفرداً عن الشهادة: موضعان فقط (سبأ ٣، الجن ٢٦)، وكلاهما في سياق السؤال عن الساعة. و﴿عَالِمُ غَيْبِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾: موضعٌ واحد (فاطر ٣٨).

🎯 موقعه في العبادة

بهذا الاسم تُفتَح صلاةُ الليل: «اللَّهُمَّ رَبَّ جَبْرَائِيلَ وَمِيكَائِيلَ وَإِسْرَافِيلَ، فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ، أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ…» صحيح مسلم ٢/١٨٥ وبه تُفتَح أذكارُ الصباح والمساء التي علّمها النبيُّ ﷺ أبا بكرٍ ﵁: «قُلِ اللَّهُمَّ عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّ كُلِّ شَيْءٍ وَمَلِيكَهُ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ، أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ نَفْسِي…» الأسماء والصفات — البيهقي (ت ٤٥٨هـ) · ١/٦٣، ومسند الطيالسي ١/١١

✨ لطيفة

وقف جابرُ بن زيدٍ عند الحشر ٢٢ يستدلُّ بها على اسم الله الأعظم: «إِنَّ اسمَ اللَّهِ الأعظمَ هو اللَّهُ، أَلم تَسْمَعْ يَقولُ: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ…﴾» تفسير الطبري — ابن جرير (ت ٣١٠هـ) · ٢٢/٥٥٥ — وتنبَّه: استدلالُه على لفظِ «الله» في الآية، لا على «عالِم الغيب والشهادة». فليس في الباب ما يُسمّي هذا الاسمَ من مظانِّ الاسم الأعظم.

النمط السادس · ٤ مواضع

عَلَّامُ الغُيوب — الاسمُ الذي لا قرينَ له

﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَىٰهُمْ وَأَنَّ اللَّهَ عَلَّٰمُ الْغُيُوبِ﴾
التوبة ٧٨ — واحدٌ من أربعةٍ، وهو الوحيدُ الذي يقوله الله عن نفسه.
🔑 منطق الصيغة

ذكر الماوردي في ﴿عَلَّٰمُ الْغُيُوبِ﴾ وجهين لا وجهاً واحداً:

«وفي قوله: ﴿عَلَاّمُ الْغُيُوْبِ﴾ تأويلان: أحدهما: أنه مبالغة. والثاني: أنه لكثير المعلومات» النكت والعيون — الماوردي (ت ٤٥٠هـ) · ٢/٧٨

فالأوّلُ مبالغةٌ في العِلم، والثاني كثرةٌ في المعلوم. والجمعُ في «الغُيوب» يرجّح أن يكون الوجهان مرادَين معاً: صيغةٌ أبلغُ، ومعلومٌ أكثرُ.

📊 التوزيع الدقيق

أربعةُ مواضعَ لا خامسَ لها: المائدة ١٠٩ و١١٦، والتوبة ٧٨، وسبأ ٤٨. وفي الأربعة جميعاً يُختَم بها رأسُ الآية، ولا يُعطَف عليها اسمٌ آخر — وهي الصيغةُ الوحيدةُ من صيغ هذا الاسم التي لم تُقارِن اسماً قطُّ.

🎯 مَن القائل؟

ثلاثةٌ من الأربعة على لسان غيرِ الله: الرسلُ يوم القيامة (المائدة ١٠٩)، وعيسى ﵇ (المائدة ١١٦)، والنبيُّ ﷺ مأموراً بـ«قُل» (سبأ ٤٨). وواحدٌ خبراً من الله عن نفسه (التوبة ٧٨). فالاسمُ في أغلبِ مواضعه كلمةُ المخلوق حين ينتهي علمُه.

📖 مسألة القراءات

في سبأ ٤٨ نقل القرطبي اختلافاً في حركة «الغيوب» وفي إعراب «علّام»:

«وَقَرَأَ عِيسَى بْنُ عُمَرَ "عَلَّامُ الْغُيُوبِ" عَلَى أَنَّهُ بَدَلٌ، أَيْ قُلْ إِنَّ رَبِّي عَلَّامُ الْغُيُوبِ يَقْذِفُ بِالْحَقِّ … وقرى: "الْغُيُوبِ" بِالْحَرَكَاتِ الثَّلَاثِ، فَالْغُيُوبُ كَالْبُيُوتِ، وَالْغَيُوبُ كَالصَّبُورِ، وهو الامر الذي غاب وخفي جدا» الجامع لأحكام القرآن — القرطبي (ت ٦٧١هـ) · ١٤/٣١٢

وتأمَّل «الغَيُوب كالصَّبور»: صيغةُ مبالغةٍ في المعلومِ نفسِه. فيكون في الآية مبالغتان — في العالِم وفي المغيَّب — وهو ما وصفه القرطبي بأنّه «الأمرُ الذي غاب وخَفِي جدًّا».

✨ لطيفة · هذا الاسمُ في يدك كلَّ يوم

بهذا الاسم تَعقِد دعاءَ الاستخارة: «… فَإِنَّكَ تَقْدِرُ وَلَا أَقْدِرُ، وَتَعْلَمُ وَلَا أَعْلَمُ، وَأَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ» السنن الصغير — البيهقي (ت ٤٥٨هـ) · ١/٢٩٩ فأنت لا تَستخير بهذا الاسم إلا في أمرٍ غائبٍ عنك لم تَقَع عاقبتُه بعد. ولذلك جاء الاسمُ بصيغة الجمع: لأنّ في كلِّ أمرٍ تستخير فيه غيباً، والأمورُ كثيرة.

الوصف يعود إليه

لم يَصِف اللهُ شيئاً من مُضافاته بأنّه «عليم». لكنه فعل شيئاً آخر: جعل لعلمه كتاباً — فما أحاط به علمُه أحاط به كتابُه. والسعدي يقف على هذين المعنيين في نَفَسٍ واحد عند الأنعام ٥٩.

كتابُه المبين

﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلَىٰ وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ عَالِمِ الْغَيْبِ لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَلَا أَصْغَرُ مِن ذَٰلِكَ وَلَا أَكْبَرُ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ﴾
سبأ ٣ — الاسمُ في أوّل الآية، والكتابُ في آخرها: ما لا يَعزُب عن عالِمِ الغيب هو نفسُه ما هو في الكتاب المبين.

وكذلك الأنعام ٥٩: ﴿وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ﴾ — يُبتدأ بالعلم ويُنتهى إلى الكتاب.

كتابُه المُنزَل

﴿لَّٰكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنزَلَ إِلَيْكَ أَنزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلَائِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفَىٰ بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾
النساء ١٦٦ — القرآنُ لا يُنسَب إلى قدرةٍ أنزلته فحسب، بل ﴿أَنزَلَهُ بِعِلْمِهِ﴾.

ولذلك يُنسَب تنزيلُه إلى هذا الاسم بعينه: ﴿تَنزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ (غافر ٢)، و﴿وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ﴾ (النمل ٦).

«فهذه الآية، دلت على علمه المحيط بجميع الأشياء، وكتابه المحيط بجميع الحوادث» تيسير الكريم الرحمن — السعدي (ت ١٣٧٦هـ) · ص ٢٥٩ · الأنعام ٥٩
حدُّ المسألة: ليس الكتابُ شريكاً في العلم ولا مَخزَناً يَحفظ لله ما يَخاف نسيانَه — تعالى الله. العلمُ صفتُه القائمةُ به، والكتابُ خَلْقٌ من خلقه كُتِب فيه ما عَلِمه، فشَرَفُه من صاحبه، والوصفُ راجعٌ إليه سبحانه. ويُغلِق البابَ قولُه: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَىٰ غَيْبِهِ أَحَدًا﴾ — فلو كان الكتابُ بابَ وصولٍ إلى غيبه لانتقضت الآية.

وأمّا نصيبُ العبد من اللفظ فمقيَّدٌ بقيدين لا يُفارقانه: ﴿وَمَا أُوتِيتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ (الإسراء ٨٥)، و﴿لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا﴾ (البقرة ٣٢). وقد وُصِف المخلوقُ بـ«عليم» في ثمانية مواضع: ساحرٌ عليمٌ (خمسُ مرّات)، وغلامٌ عليمٌ (مرّتان)، و﴿إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾ على لسان يوسف ﵇. فاللفظُ يُعار، والمعنى لا يُشارَك: عَلِيمٌ بقدرِ ما عُلِّم.

وهذا هو موضعُ العملِ في هذا الاسم: أن يكون طلبُك للعلمِ عبادةً لا مُفاخَرةً، وأن يكون أوّلُ ما تقوله عند حَدِّ علمك ما قالته الملائكةُ وقالته الرسل: لا عِلمَ لنا.

الجدول الشامل

مواضعُ الاسم بصيغه الثلاث — ١٤٨ موضعاً — مجموعةً بأنماطها، في كلِّ صفٍّ عددُه ومواضعُه بأعيانها، لئلا يَسقُط موضعٌ ولا يُقرأ الجدولُ ثمانيةً وأربعين ومئةَ سطرٍ متشابه. والأسطرُ الثلاثةُ الأخيرة لما خرج عن الباب. وسائرُ مواضع الجذر — العلمُ البشري، والتعليم، وأهلُ العلم، والأعلام — لم تُعَدَّ في أرقام هذه الدراسة ولا تدخل فيها؛ فهذه دراسةُ الاسم لا دراسةُ الجذر.

#النمطاللفظالعددالموصوفالمواضعوجه الختم بالاسم
١اقتران بالحكمةعَلِيمٌ حَكِيمٌ١٥اللهالنساء ٢٦؛ الأنفال ٧١؛ التوبة ١٥، ٢٨، ٦٠، ٩٧، ١٠٦، ١١٠؛ يوسف ٦؛ الحج ٥٢؛ النور ١٨، ٥٨، ٥٩؛ الحجرات ٨؛ الممتحنة ١٠حكمٌ أو تشريعٌ يُعقَّب ببيان أنّه عن علمٍ وحكمة
٢اقتران بالحكمة · معكوساًحَكِيمٌ عَلِيمٌ٥اللهالأنعام ٨٣، ١٢٨، ١٣٩؛ الحجر ٢٥؛ النمل ٦تقديمُ الحكمة حيث السياقُ سياقُ تدبيرٍ لا تشريع
٣اقتران بالحكمة · معرَّفاًالْعَلِيمُ الْحَكِيمُ٤اللهالبقرة ٣٢؛ يوسف ٨٣، ١٠٠؛ التحريم ٢في مقام الخطاب والثناء على الله لا الإخبار عنه
٤اقتران بالحكمة · معرَّفاً معكوساًالْحَكِيمُ الْعَلِيمُ٢اللهالزخرف ٨٤؛ الذاريات ٣٠جوابُ الملائكةِ ومقامُ الإلهية
٥اقتران بالسمع · معرَّفاًالسَّمِيعُ الْعَلِيمُ١٥اللهالبقرة ١٢٧، ١٣٧؛ آل عمران ٣٥؛ المائدة ٧٦؛ الأنعام ١٣، ١١٥؛ الأنفال ٦١؛ يونس ٦٥؛ يوسف ٣٤؛ الأنبياء ٤؛ الشعراء ٢٢٠؛ العنكبوت ٥، ٦٠؛ فصلت ٣٦؛ الدخان ٦دعاءٌ أو استعاذةٌ: المنطوقُ مسموعٌ وما في القلب معلوم
٦اقتران بالسمع · منكَّراًسَمِيعٌ عَلِيمٌ١٦اللهالبقرة ١٨١، ٢٢٤، ٢٢٧، ٢٤٤، ٢٥٦؛ آل عمران ٣٤، ١٢١؛ الأعراف ٢٠٠؛ الأنفال ١٧، ٤٢، ٥٣؛ التوبة ٩٨، ١٠٣؛ النور ٢١، ٦٠؛ الحجرات ١أيمانٌ ونذرٌ وقولٌ يُضبَط به العملُ الظاهر
٧قيدٌ أوسعُ ما يكونبِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ١٦اللهالبقرة ٢٩، ٢٣١، ٢٨٢؛ النساء ١٧٦؛ المائدة ٩٧؛ الأنعام ١٠١؛ الأنفال ٧٥؛ التوبة ١١٥؛ النور ٣٥، ٦٤؛ العنكبوت ٦٢؛ الشورى ١٢؛ الحجرات ١٦؛ الحديد ٣؛ المجادلة ٧؛ التغابن ١١بعد تفصيلٍ في الخلق أو الشرع: التعميمُ بعد التخصيص
٨قيدٌ أضيقُ ما يكونعَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ١٢اللهآل عمران ١١٩، ١٥٤؛ المائدة ٧؛ الأنفال ٤٣؛ هود ٥؛ لقمان ٢٣؛ فاطر ٣٨؛ الزمر ٧؛ الشورى ٢٤؛ الحديد ٦؛ التغابن ٤؛ الملك ١٣حيث يُظَنُّ للسِّرِّ مَخبأٌ: نفاقٌ، أو كِتمانٌ، أو همسٌ
٩اقتران بالسعةوَاسِعٌ عَلِيمٌ٧اللهالبقرة ١١٥، ٢٤٧، ٢٦١، ٢٦٨؛ آل عمران ٧٣؛ المائدة ٥٤؛ النور ٣٢آياتُ الفضلِ والعطاء: يُوسِع ويَعلَم مَن يُوسِع عليه
١٠اقتران بالعزّةالْعَزِيزُ الْعَلِيمُ٦اللهالأنعام ٩٦؛ النمل ٧٨؛ يس ٣٨؛ غافر ٢؛ فصلت ١٢؛ الزخرف ٩ثلاثٌ منها في ﴿تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ — تقديرٌ عن قوّةٍ عالمة
١١قيدٌ بصنفٍ مسمّىعَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ٤اللهالبقرة ٩٥، ٢٤٦؛ التوبة ٤٧؛ الجمعة ٧تهديدٌ لمن يُخفي ظلمَه
١٢اقتران بالقدرةعَلِيمٌ قَدِيرٌ · الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ٣اللهالنحل ٧٠؛ الروم ٥٤؛ الشورى ٥٠آياتُ أطوارِ الخَلْق: يَعلَم ويَقدِر على التحويل
١٣اقتران بالخبرةعَلِيمٌ خَبِيرٌ · الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ٣اللهلقمان ٣٤؛ الحجرات ١٣؛ التحريم ٣علمٌ بالبواطن، ومنه ﴿نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ﴾
١٤قيدٌ بما يُنفَق أو يُعمَلبِهِ عَلِيمٌ٣اللهالبقرة ٢١٥، ٢٧٣؛ آل عمران ٩٢آياتُ الإنفاق: لا يَضيع قليلُه ولا يُخفى موضعُه
١٥قيدٌ بالعملبِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ٣اللهالبقرة ٢٨٣؛ المؤمنون ٥١؛ النور ٢٨خطابُ المواجهة: علمٌ بما تفعله أنت
١٦اقتران بالخَلْقالْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ٢اللهالحجر ٨٦؛ يس ٨١استدلالُ البعث: يَعلَم أين ذهبتَ ويَقدِر أن يُعيدك
١٧اقتران بالحِلمعَلِيمٌ حَلِيمٌ٢اللهالنساء ١٢؛ الحج ٥٩يَعلَم ولا يُعاجِل — وهو أرقُّ ما قُرِن به العلم
١٨قيدٌ بالمتّقينعَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ٢اللهآل عمران ١١٥؛ التوبة ٤٤وعدٌ لمن لا يَراه أحدٌ وهو يتّقي
١٩قيدٌ بالفعلعَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ٢اللهيونس ٣٦؛ النور ٤١ختمُ آياتِ الظنِّ والتسبيح
٢٠اقترانٌ فريدالْفَتَّاحُ الْعَلِيمُ١اللهسبأ ٢٦مرّةً واحدةً في القرآن: يَفتح بالحقِّ لأنّه يَعلَمه
٢١اقترانٌ فريدشَاكِرٌ عَلِيمٌ١اللهالبقرة ١٥٨تطوُّعٌ بالخير: يُشكَر ويُعلَم
٢٢قيودٌ مفردةبِالْمُفْسِدِينَ · بِمَا يَعْمَلُونَ · بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ · بِمَا يَصْنَعُونَ · بِكَيْدِهِنَّ · بِكُلِّ خَلْقٍ٦اللهآل عمران ٦٣؛ يوسف ١٩، ٥٠؛ النحل ٢٨؛ فاطر ٨؛ يس ٧٩كلُّ قيدٍ منها على قدرِ مقامه
٢٣بلا قرينٍ ولا قيد — مختلَفٌ فيهوَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ١الله أو مخلوق — بخلافيوسف ٧٦الموضعُ الوحيدُ الخارجُ عن القاعدة، وهو الوحيدُ المختلَفُ في المراد به
٢٤صيغةُ «عالِم» مضافةًعَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ١٠اللهالأنعام ٧٣؛ التوبة ٩٤، ١٠٥؛ الرعد ٩؛ المؤمنون ٩٢؛ السجدة ٦؛ الزمر ٤٦؛ الحشر ٢٢؛ الجمعة ٨؛ التغابن ١٨قسمةٌ حاصرةٌ للمعلوم كلِّه في كلمتين
٢٥صيغةُ «عالِم» مفردةً عن الشهادةعَالِمُ الْغَيْبِ٢اللهسبأ ٣؛ الجن ٢٦كلاهما في سياق السؤال عن الساعة، ومنه ﴿فَلَا يُظْهِرُ عَلَىٰ غَيْبِهِ أَحَدًا﴾
٢٦صيغةُ «عالِم» بإضافةٍ أخرىعَالِمُ غَيْبِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ١اللهفاطر ٣٨وفي الآية نفسِها ﴿عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ — أوسعُ معلومٍ وأخفاه معاً
٢٧صيغةُ المبالغةعَلَّٰمُ الْغُيُوبِ٤اللهالمائدة ١٠٩، ١١٦؛ التوبة ٧٨؛ سبأ ٤٨تُختَم بها الآيةُ ولا تُقارِن اسماً؛ والمعلومُ مجموعٌ لا مفرد
٢٨الوصفُ يعود إليهكِتَابٌ مُّبِينٌ · أَنزَلَهُ بِعِلْمِهِ٣كتابُهالأنعام ٥٩؛ سبأ ٣؛ النساء ١٦٦ما أحاط به علمُه أحاط به كتابُه — والوصفُ راجعٌ إليه
٢٩خارجَ الباب — وصفُ مخلوقسَاحِرٌ عَلِيمٌ · سَحَّارٌ عَلِيمٌ٥سحرةُ فرعونالأعراف ١٠٩، ١١٢؛ يونس ٧٩؛ الشعراء ٣٤، ٣٧اللفظُ يُعار، والمعنى مقيَّدٌ بما عُلِّم
٣٠خارجَ الباب — وصفُ مخلوقغُلَامٌ عَلِيمٌ · حَفِيظٌ عَلِيمٌ٣إسحاقُ ويوسفُ ﵉الحجر ٥٣؛ الذاريات ٢٨؛ يوسف ٥٥بشارةٌ ووصفٌ لعبدٍ عُلِّم، لا مشاركةٌ في الصفة

رؤوس أقلام — كيف تعرَّف الله إليّ بهذا الاسم

١. الفرق اللغوي الدقيق

  • عالِم اسمُ فاعلٍ لا يأتي في القرآن إلا مضافاً؛ عليم صفةٌ ثابتةٌ على فَعِيل؛ علّام مبالغةٌ على فَعَّال.
  • وردَّ ابنُ فارس الجذرَ إلى «قياس العلم والعلامة» — فالعلمُ ما يَرفَع الاشتباه، كالعَلَم في الطريق.

٢. المعرَّف والمنكَّر

  • المنكَّرُ أكثرُ، وهو لسانُ الإخبار: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾.
  • والمعرَّفُ لسانُ الخطاب والثناء: ﴿إِنَّكَ أَنتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ — ولذلك جاء على لسان الملائكةِ ويعقوبَ ويوسفَ ﵉.

٣. الغياب دلالة

  • ﴿عَلَّٰمُ الْغُيُوبِ﴾ هي الصيغةُ الوحيدةُ التي لم تُقارِن اسماً قطُّ في أربعة مواضع.
  • ولم يأتِ «العالِمُ» مفرداً معرَّفاً ولا مرّةً — فعلمُ الله في القرآن لا يُعرَض بلا معلوم، ولا يُذكَر بلا متعلَّق. وهذه أحدُّ ما في الباب.

٤. موقعه في بنية القرآن

  • أوّلُ موضعٍ معرَّفٍ في المصحف: البقرة ٣٢، على لسان الملائكة.
  • وفي الحشر ٢٢ — أكثفِ آيات الأسماء — هو أوّلُ وصفٍ بعد التوحيد.
  • وبه تُفتَح صلاةُ الليل، وأذكارُ الصباح والمساء، ويُعقَد دعاءُ الاستخارة.

٥. نصيب الأمة من الجذر

  • وُصِف المخلوقُ بـ«عليم» في ثمانية مواضع — خمسٌ منها لسحرةِ فرعون. فاللفظُ وحدَه لا يُشرِّف.
  • وحظُّ العبد مقيَّدٌ بقيدين: ﴿وَمَا أُوتِيتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾، و﴿لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا﴾.

٦. الأثر التعبدي اليوم

  • في الصلاة: افتح قيامَ ليلِك بـ«عالِمَ الغيب والشهادة» كما كان النبيُّ ﷺ يفتح.
  • عند الحيرة: استخِر — «وتعلم ولا أعلم وأنت علّام الغيوب». الاستخارةُ هي هذا الاسمُ عملاً.
  • عند السِّرّ: ﴿عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ اثنا عشرَ موضعاً. ما في صدرك مقروءٌ قبل أن تقوله.

كيف تكون داعياً إلى العَلِيم

جملُ الافتتاح بين قوسين تُقال حرفياً.

١

افتح بمفارقة لغوية

أنّ لله من هذا الجذر ثلاثةَ أسماءٍ لا اسماً واحداً، وأنّ الفرقَ بينها ليس في مقدار العلم.

«اسمعْ ثلاثةَ ألفاظٍ وقُل لي: أيُّها أعظم؟ عالِمُ الغيب… العليم… علّامُ الغيوب. — لا، ليس السؤالُ أيُّها أعظم؛ العلمُ كاملٌ في الثلاثة. السؤالُ: ما الذي يصنعه كلُّ لفظٍ ولا يصنعه أخوه؟»
٢

الإحصاء المفاجئ

الرقمُ الذي يُحوِّل الاسمَ من صفةٍ مجرّدةٍ إلى قاعدةٍ في بناء الآيات.

«وُصِف الله بـ"عليم" في مئةٍ وواحدٍ وثلاثين موضعاً. خمِّنْ: في كم موضعٍ منها جاء الاسمُ وحدَه، لا مقروناً باسمٍ ولا مقيَّداً بما يعلمه؟ — موضعٌ واحد. وهو الموضعُ المختلَفُ في تفسيره أصلاً.»
٣

القاعدة الذهبية

علمُ الله في القرآن لا يُترَك بلا متعلَّق: إمّا قرينٌ يُنفِّذه، وإمّا قيدٌ يُسمّي معلومه.

«القرآنُ لا يَترك العلمَ معلّقاً في الهواء. ستٌّ وعشرون مرّةً قُرِن بالحكيم — ومعنى ذلك أنّ العلمَ ليس خبراً عند الله، بل تصرُّف. قال ابن كثير: "الحكيم في خلقك وأمرك، وفي تعليمك ما تشاء ومنعك ما تشاء".»
٤

فصّل في مَفاتح الغيب

الأنعام ٥٩ — الآيةُ التي لا يُذكَر فيها الاسمُ ويُفصَّل فيها معناه، ثم لقمان ٣٤ التي تُسمّي الخمسَ.

«قال السعدي في آية الأنعام: "من أعظم الآيات تفصيلا لعلمه المحيط… وكثير منها طوى علمه عن الملائكة المقربين، والأنبياء المرسلين". وشبّه ابنُ عاشورٍ الغيبَ بخزائنَ مُقفَلةٍ "لا يعلم ما فيها إلا الذي بيده مفاتحها". ثم اقرأ خاتمةَ لقمان: الساعةُ، والغيثُ، وما في الأرحام، وما تكسب غداً، وبأيِّ أرضٍ تموت. خمسةُ مفاتيحَ لم يُسلَّم منها مفتاحٌ لأحد.»
٥

أجملُ المواضع المفردة

التحريم ٣ — الاسمُ في حادثةٍ بيتيّةٍ بعينها، فاعلاً لـ«نبّأني».

«سألتْ زوجُ النبيِّ ﷺ: مَن أنبأك هذا؟ فماذا قال؟ لم يقل: أنبأني جبريل، ولا: علمتُ. قال: ﴿نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ﴾. هذا هو الموضعُ الوحيدُ في القرآن الذي يقع فيه الاسمُ فاعلاً لحادثةٍ بعينها — في بيت، في حديثٍ أُسِرَّ.»
٦

اختم بنصيب السامع

الاستخارة: الاسمُ ليس للتأمُّل فقط، بل بين يديك كلَّ مرّةٍ تحتار.

«آخرُ شيء: هذا الاسمُ في يدك كلَّ أسبوع. الاستخارة تنتهي بـ"وتعلم ولا أعلم وأنت علّام الغيوب". ولاحِظ: جَمَع — الغُيوب لا الغيب. لأنّك ما استخرتَ إلا في أمرٍ غائبٍ عنك، والأمورُ كثيرة. فمتى ضاقَ بك العلمُ فقُل ما قالته الملائكةُ وقالته الرسلُ يوم القيامة: لا عِلمَ لنا.»
المصادر: نصوص الآيات برواية حفص عن عاصم · تيسير الكريم الرحمن — السعدي (ت ١٣٧٦هـ) · التحرير والتنوير — ابن عاشور (ت ١٣٩٣هـ) · تفسير ابن كثير — ابن كثير (ت ٧٧٤هـ) · الجامع لأحكام القرآن — القرطبي (ت ٦٧١هـ) · النكت والعيون — الماوردي (ت ٤٥٠هـ) · مفاتيح الغيب — الفخر الرازي (ت ٦٠٦هـ) · جامع البيان — ابن جرير الطبري (ت ٣١٠هـ) · الأسماء والصفات والسنن الصغير — البيهقي (ت ٤٥٨هـ) · صحيح مسلم (ت ٢٦١هـ) · مسند الطيالسي (ت ٢٠٤هـ) · الصحاح — الجوهري (ت ٣٩٣هـ) · مقاييس اللغة — ابن فارس (ت ٣٩٥هـ) · تفسير العثيمين (ت ١٤٢١هـ) · موسوعة شرح أسماء الله الحسنى — نوال العيد — عبر Shamela MCP
أُعِدّت وفق «قالب دراسة اسم من أسماء الله الحسنى» — .claude/skills/asma/PLAN.md